بدأت أول مراحل النضج حين أصبحت في المدرسة الاعدادية في الثالثة عشرة من عمري.

 دخنت اول سيجارة، وقذفت لأول مرة بعد الاستمناء في مرحاضنا الخارجي.

المدرسة الإعدادية كانت مختلفة جدا عن المدرسة الابتدائية. لم تعد امي موجودة في القاعة المجاورة. تدخين. شتائم نابية، عنف مسلط من الجميع على الجميع، الفتيات اصبحن اكثر نضجا، وكذلك الأولاد. سمعت للمرة الاولى سيلا لا يتوقف من الشتائم على السابعة صباحا وحاولت استيعاب كون ذلك واقعى الجديد.

كانت هناك سلسلة من المحلات الصغيرة الممتدة على طول شارع المغرب العربي او شارع المعاهد كما يسميه السكان المحليون. مقابلة ومنتصبة امام المعاهد الأربعة على نفس الشارع بالترتيب من الجنوب إلى الشمال:

المدرسة الإعدادية خير الدين باشا (سمعت انها تحولت الى معهد نموذجي بائس) – المعهد الثانوي ٩ افريل ١٩٣٨ – المدرسة الإعدادية أبو بكر القمودي وهي المدرسة التي زاولت فيها ثلاثة سنوات من الدراسة الإعدادية – المعهد الثانوي بسيدي بوزيد أو المعهد المختلط على حسب تسميته القديمة٫

 عم كمال كان أحد الباعة الذي باع ضميره من اجل المال – ربما لأنه كان لا يرى مانعا في بيع السجائر للأطفال دون اي تردد. رايت الجميع يدخن، رغبة في الظهور او في اعلان تمرد ما في الهواء. 

حين التقم اقرب اصدقائي – صديق الطفولة – نضال، أول سيجارة أمامي في نوع من الفخر، أردت أن أجرب ذلك بشدة.

تفاديت امكانية التنمر والسخرية من الآخرين. ذهبت إلى حاتم، وهو بن جارنا عبد المجيد، صاحب أقدم دكان في الحي، مددت مائة مليم وطلبت منه بنوع من الصلابة المصطنعة سيجارة “مارس أحمر”. مدني السيجارة دون ان يتكلم، لكنني لمحت ابتسامة مختفية.

توجهت الى الحمام الخارجي المنفصل عن بقية البيت، واوصدت الباب بعد ان جلبت عوديْ ثقاب، وكانت تلك أول مرة يدخن فيها سيجارة. 

لم يراودني أي إحساس استثنائي. كنت قد تعودت رائحة التبغ منذ سنوات الطفولة على كل حال بحكم تدخين الجميع، ولم احس باي امر مختلف باستثناء صداع شبه منعدم في الرأس.

اول سنة في المدرسة الاعدادية كانت سنة اكتشاف الجسد، والأجسام المحيطة بي.

 حاولت حلاقة ذقني مرات عديدة كي اسرّع في نموه، لاحظت انتصاب ايري أكثر من مرة مع تلاحق تخيلاتي الجنسية وتضاعفها وتكثفها والنظر الممتد للأجساد المحيطة بي.

تحولت فكرة المشاغبة إلى فكرة مركزية. مخالفة نظام الفصل تعني شعبية أكثر. تعني اعترافا أكثر. تعني بعض الاجابات للتنمر الخارجي والقمع الأبوي، اكثر اعجابا من الاخرين، وأكثر وهما من القوة.

بدأ الآخرون في تحطيم ثوابت الثقة البريئة التي كنت املكها، السخرية المستمرة من المعلومات التاريخية التي اقدمها في الفصل، كالحديث عن عقدة أوديب، أو كون انتحار عليسة مجرد أسطورة، وقوبل ذلك بتسميتي “دكتور خجاج” أو “الكاذب الكبير”.

كنت خجولا كبيرا حين يتعلق الامر بالحديث مع احداهن، ولم اجرؤ على ذلك ابدا لفترة طويلة.

اقبلت امتحانات الثلاثي الاول والاسبوع المغلق، ووقع تقسيمنا الى مجموعات مختلطة مع تلاميذ اكبر منا سنا، كي اجلس اسبوع الامتحانات جوار هيفاء، تكبرني بسنتين، وارتعش كلما رأيتها.

اللمسات العفوية، احمرار وجهي الشديد، دقات القلب المتسارعة والاضطراب أمام شخص لا اعرفه اصلا. كانت اول اجابات جسدي وعقلي أمام الآخر، كنت أخشى أحكام الآخرين، ومن رغبتهم الدفينة في فرض قوتهم عبر السخرية والتنمر، فيجعلني ذلك اتسمر امام اي تفاعل علني، وان كان ثنائيا.

الآخرون ينظرون، الآخرون يحكمون، وعلي اذن الغرق في دواخلي حتى اتحول بنفسي الى قوقعة بشرية بائسة.

بدأ صوتي الداخلي في النمو شيئا فشيئا، في التحول إلى كتلة من اللوم والتحقير والتقزيم، فآخذ عادة في فرك اصابعي بشدة كلما وضعني القدر في موضع عام. تسخن وجنتاي بشكل متصاعد، وتتسارع انفاسي وكأنني اختنق. يحدث ذلك كلما التقيت فتاة، أو تحدثت مع شخص أكبر مني سنا كأحد الاساتذة أو الجيران، أو أفراد العائلة البعيدين.

كنت أكره المواقف المحرجة، والتي مازلت ابحث عن سبب اعتبار عقلي لها “محرجة”. 

آنذاك، يأخذ صوتي الداخلي في توبيخي دون توقف: “كان عليك قول هذا عوض ذاك، غبي جدا.” ” انت فعلا فاشل ولا تجيد الحديث، لماذا اضطربت ولم تتفوه باية كلمة؟ من المؤكد ان الجميع يضحك من تصرفه الغريب هذا”. “حين فتحت فمك لم تتفوه سوى بالتفاهات، لن تصبح محبوبا ابدا”.


Leave a comment